موضوع صادر عن :

الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات
|
الرئيسية »» تونس »» الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات
بيــــان 50 سنة بعد إعلان الجمهورية، أين نحن التونسيات من وعودها؟
13/8/2007
تمر اليوم خمسون سنة على إعلان الجمهورية، و قد حان الوقت لنا، نحن النساء الديمقراطيات، للوقوف على مدى وفاء النظام الجمهوري بوعوده في المساواة بين الجنسين والحرية والتضامن.
ونحن لا نريد في هذه الذكرى التقليل من المكاسب القانونية ولا أن ننفي ما تحقق منها للنساء منذ خمسين سنة في مجالات عديدة، في العائلة والتعليم والصحة والشغل، بل نرمي إلى الكشف عن قصور هذا النظام وعدم إيفائه بالوعد في انخراط الجميع مواطنات ومواطنون في الشأن العام متساوين في الحقوق والواجبات، في ظل علاقات اجتماعية جديدة مبنية على الكرامة للجميع وعلى التضامن والتعايش أحرارا ومتساوين.
إنه الأمل الذي مثله إعلان الجمهورية في 25 جويلية 1957 بعد أقل من عام على صدور مجلة الأحوال الشخصية في 13 أوت 1956 والتي كانت بمثابة الميثاق الاجتماعي المؤسس على المواطنة دون أي اعتبار آخر فأعطى للجمهورية كل معناها لتعبر بتراتيبها الجديدة عن إدماج العائلة التونسية في مشروع حداثي وفي مسيرة نحو الحرية والمساواة والديمقراطية والمواطنة يبنيها النساء والرجال معا.
واليوم، وبعد خمسين سنة أين نحن من هذا الوعد؟
لقد تعددت التراجعات في هذا المسار بما يمكن أن يهدد المشروع الجمهوري في تونس ويؤثر على مستقبل مواطنيه نساء ورجالا. لذلك فإن هدفنا اليوم الوقوف على الهنات والترددات والتراجعات والتوجه إلى الجميع إلى كل مكونات المجتمع المدني والسياسي يحدونا الأمل في فتح نقاش عام حول اختياراتنا الجوهرية لتحديد المستقبل الذي نريده لبلادنا السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي.
فعلى المستوى السياسي تتعدد العوائق أمام تمتع النساء الكامل بحقوقهن في المساواة وفي الحظوظ والمواطنة ونجد أنفسنا أمام تناقضات ثلاث :
أولهـا بين سلطوية الدولة / الحزب التي أخذت على عاتقها قضية حقوق النساء ولكن بتوظيفها وبالوصاية عليها بينما لم تدرج بعض أحزاب ومجموعات المعارضة التقدمية هذه المسألة ضمن أولوياتها في المعركة من أجل الديمقراطية فيما ركزت المعارضة الإسلامية على مشكلة الهوية ورفضت كل كونية باسم الخصوصية الثقافية.
وبالنسبة لنا فإن الترابط شامل وتام بين الخاص والعام وبين المساواة والديمقراطية وبين حقوق النساء وحقوق الإنسان فهي جزء لا يتجزأ منها ولا نقبل بأي تأجيل لها أو تبرير لنفيها.
كما أننا نقف أمام عدد من العوائق الدستورية التي تحول دون تمتع التونسيات بمواطنتهن الفعلية مما يهدد المكاسب القانونية ويعوق التقدم بها. وتمثل ازدواجية المنظومة الدستورية القائمة على مرجعيتين الدولة والإسلام تأرجحا بين الردود القانونية لمستلزمات الحياة المجتمعية المتطورة والأحكام الدينية الثابتة. هذه الثنائية بين الفكر الحداثي والفكر التقليدي الذي يقف ضد المبدأ الدستوري في تفعيل المساواة بين المواطنات والمواطنين والذي حدا بالدولة التونسية إلى إبداء تحفظاتها على اتفاقية كوبنهاجن "ضد كل أشكال التمييز المسلط على المرأة" وعلى "الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل" مما حافظ على عديد القوانين التمييزية في الحقوق والواجبات بين الزوجين.
ثانيا الاختلاف بين الخطاب السياسي وبين الواقع، بين مرجعية تحررية وديمقراطية ترتكز على الشرعية الدستورية والتعددية السياسية والاقتراع والمواطنة والمساواة وبين ممارسة سلطوية للدولة واحتكار للتمثيل السياسي فرغم ما تحظى به النساء من مكانة في الخطاب السياسي فإن تمثيليتهن تبقى متواضعة على المستوى السياسي ويبقين مواطنات من درجة ثانية.
ثالثا الارتهان السياسي لقضية النساء، فالسلطة أي الدولة/الحزب نصبت نفسها وصية عليها واتخذت من النساء وحقوقهن مشروعها لدعم الدولة في ثنائية مرفوضة، حقوق النساء ضد الحريات العامة / حقوق النساء ضد حقوق الإنسان. وبعد أن كن مدينات للعهد البورقيبي يراد بهن اليوم أن يكن الدرع أمام المد الإسلامي وهكذا يجبرن إما على الولاء السياسي التام للسلطة أو تكتم أصواتهن بمنع وصولها إلى مختلف وسائل الإعلام وحجزها في فضاءات مغلقة ومحاصرة. وتبرهن الدولة بهذا على فرضها الحدود في طرح قضية حقوق النساء محافظة بذلك على النظام الأبوي والتقليدي.
قانون العائلة في ظل ثنائية الخطاب السياسي
لقد فرضت الدولة حدودا في طرح قضية حقوق النساء واتسمت نسوية الدولة بالضبابية في خطابها محافظة على ركائز النظام الأبوي الذي ينزلهن في منظومة تقليدية في صميم القيم المقدسة للعائلة بما تحملهن من قيم الشرف والتعاقد في النسب والملكية تحكما في أجساد النساء وفي حقوقهن الجنسية.
خمسون سنة بعد إعلان الجمهورية ومجلة الأحوال الشخصية لا زالت الأحكام التشريعية متضاربة بين أحكام وضعية وأخرى دينية، بين نظام أبوي ومرجعية كونية.
هذا هو الوضع القانوني للتونسيات اليوم.
إن النظر في مجمل القوانين منذ 1956 بدءا بإصدار مجلة الأحوال الشخصية والاعتراف بالحقوق السياسية للنساء في 1957 والتبني وتعميم التعليم في 1958 وإقرار التنظيم العائلي في 1960 وحق الاجهاض في 1973 وحق الولاية على الأبناء للأم عند وفاة الأب في 1981 وإسقاط واجب الطاعة في العلاقات الزوجية ومنح الولاية على الأبناء للأم الحاضنة عند الطلاق في 1993 وحق اختيار نظام الملكية المشتركة عند الزواج في 1998 وعديد القوانين الأخرى وإن أحدثت شرخا في المنظومة الأبوية التقليدية للعائلة فبالمقابل يتجلى التضارب في مختلف القوانين والقرارات.
وهكذا فقد أطلقت "حملات أخلاقية" لحماية الآداب في الفضاءات العامة استهدفت النساء بالخصوص وحافظت القوانين على قاعدة الحصتين للذكر في الإرث وبقي الزوج رئيسا للعائلة ووليا على أبنائه القصر عدا بعض الاستثناءات عند الوفاة أو الطلاق.كما مثل الحفاظ على قاعدة المهر مواصلة تسليع جسد النساء وإن رمزيا والرجوع إلى الأعراف والتقاليد في التعريف بالعلاقات الزوجية وشرط موافقة الزوج الأجنبي لإسناد التونسية جنسيتها لأبنائها ما عدى بعض الاستثناءات، وكل ما أبدته الدولة التونسية من تحفظات على اتفاقية كوبنهاجن الدولية فيما يخص حقوق وواجبات الزوجين وعلى اتفاقية حقوق الطفل في كل ما يتعلق خصوصا بحقوق الطفلة والصمت فيما يخص توارث الممتلكات بين الزوجين حتى في حالة اختيار الملكية المشتركة بينهما وغض الطرف على مشكلة التمتع بالسكن العائلي وسكنى الأم الحاضنة.
كما أن تواصل تجاهل آفة العنف المسلط على النساء التي تشق كل فئات المجتمع حرمت النساء من حماية قانونية وإن تقرر أخيرا بعث خطة وطنية للتصدي لهذا العنف.
وهكذا يسجل القانون في المجال العائلي وفي الممتلكات عديد المفارقات بين المنظومة الأبوية للعائلة المسلمة وبين واقع العائلة التونسية المتطور وحقيقة وضعها الاقتصادي، بين التفاضلية الذكورية والدينية وقيم المساواة التي تعتبر الحد الأدنى لدولة القانون والشرط الأولي للمواطنة.
هشاشة أوضاع النساء في الشغل
رغم كل مكتسبات التونسيات والواقع المجتمعي الجديد الذي خول للنساء الانخراط بقوة في عالم الشغل فإنهن لا يملكن حظوظا متساوية مع الرجال. وتتزايد التهديدات لحق النساء في الشغل باختيار اقتصاد السوق وتفويت الدولة شيئا فشيئا في المجال الاقتصادي والاجتماعي والتراجع في الحقوق الاجتماعية وتراجع أهمية العمل النقابي وإيجاد حلول تمييزية كالعمل نصف الوقت بثلثي الأجر للنساء العاملات. كما أن الطرد المتواصل للعاملات يجبرهن على اللجوء إلى العمل غير المهيكل في قطاع النسيج أو المناولة الذي يجعلهن عرضة لأنواع جديدة من القهر والاستغلال. فينجر عن هذه الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية تفقير للنساء في ظل ظاهرة تأنيث الفقر المعترف بها دوليا والتي هي نتيجة تجمع عنصر الفقر الاقتصادي مع واقع العلاقات اللامتساوية والتمييزية بين الجنسين.
فهشاشة أوضاع النساء بكل معانيها تهدد العديد منهن بالفقر المتقع ولا يأتي الرد على هذا الوضع إلا في شكل انكماش على الذات ومحاولة استرجاع مغالط للهوية والذي يعد الحجاب أحد أشكاله.
وحتى نحدد موقفنا بكل وضوح من ظاهرة الحجاب فإننا ورغم رفضنا له كبرنامج وكأفق لتحرير النساء والتقدم بحقوقهن فيما يمثله من نفي لجسد المرأة وتملك له واختزاله في الجنس بما يكرس التمييز واللامساواة فإننا نرفض القمع المسلط على من يرتدينه ولا نقبل بالحلول الأمنية المتخذة.
فالمواطنة التي نناضل من أجلها في بلادنا هي المواطنة القادرة على تحدي العقبات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية لتحوي الجميع في موقع سياسي واحد دون أي فرق أو تجزئة.
مواطنات ومواطنون متساويات ومتساوين في رسم المستقبل دون أي هوية محددة لمواطنة تامة وفعلية.
لكل هذه الأسباب نعتبر اليوم وبعد خمسين سنة من النظام الجمهوري أن الوقت قد حان لاتخاذ كل الإجراءات والتراتيب التشريعية والاجتماعية والثقافية حتى تتحقق المساواة بين الجنسين وتكرس مواطنة التونسيات.
عن الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات
الرئيسة
خديجة الشريف
|