بيانات إعلامية | تقارير ودراسات | النشرة الأسبوعية | موضوع للمناقشة | خطوة للأمام | المنتدي | أجندة حقوق الإنسان| روابط | دفتر الزوار | الإيميل | عن الشبكة | جوائز حقوقية | حملات | خدمات
الرئيسية»» دولية و اقليمية »» المكتب الدولي للجمعيات الإنسانية و الخيرية
النتائج الكارثية لمحاصرة الجمعيات الخيرية
2/2006

من جال بخاطره، أن الثقافة العربية الإسلامية، التي أعطت للغات العالم كلمة المحسن والإحسان وجمعية الخير mécénat ستعود المكافأة لها بربط خبيث ومغرض بين العمل الخيري الإسلامي والإرهاب؟ كيف يمكن تصوير إحدى أهم أشكال المساعدة الإنسانية لمناطق عديدة منسية في العالم باعتبارها بين وسائل تعزيز العنف والإرهاب في العالم؟

وهل يحق لنا، رغم كل الصلات المعروفة وغير السرية لمنظمات كبيرة مسيحية بالتبشير وصلة المساعدات التي تقدمها وزارات الخارجية والتعاون الغربية بالسياسة المعلنة والباطنة لهذه الدول تجاه مناطق الصراع، ووسائل توظيف العمل الخيري من قبل الناتو والتجمعات بين الحكومية، من من الباحثين لا يعرف أن عدد المبشرين البروتستانت عام 1902 بلغ 98388 مدعوم بلجان يبلغ عدد أعضائها خمسة ملايين ونصف كان من وسائلهم بناء المدارس والمستشفيات والصيدليات وليس الكنائس وحسب؟

قبل عشرة أعوام من اليوم، جاوز عدد الجمعيات الإنسانية والخيرية والتعاونية في الولايات المتحدة الأمريكية المليون ونصف المليون جمعية. واعتبر ذلك يومئذ، حدثا نادرا في التاريخ لقدرة شعب ومؤسسات في بلد واحد، على ارتقاء هذا الرقم الذي يضم الإرساليات ووسائل الترويج الدينية والعلمانية ووسائل الدعاية المرتبطة بوزارات حكومية منها وزارة الدفاع كما نجد منظمات غير حكومية بمعنى الكلمة المتعارف عليه.

فمن يستطيع القول أن هذا الجسم المدني مهمته الخارجية الدفاع عن مصالح الولايات المتحدة الأمريكية أو الإدارة الأمريكية أو حزب سياسي؟ هل لأنها خارج الاحتواء والتوظيف، بالتأكيد لا يمكن في بلد اقتصاد السوق الأول أن يترك الفضاء المدني في حالة استقلال كاملة عنه. لذا نستبق البحث بالقول: إن دخول معركة اتهام الآخر هي أرض مليئة بالألغام وتحمل مخاطر لا حصر لها، ليس فقط على الجمعيات الإنسانية الإسلامية بل على العمل الخيري والمجتمعات المدنية قاطبة.

* * *

قبل الاحتفال برأس السنة الميلادية، قامت في 14/12/2001 قوات مدرعة فرنسية وإيطالية مكونة من قرابة 50 شخصا من KFOR باقتحام مكتب الإغاثة العالمية GR في مدينة جاكوفا وحطمت الأبواب رغم تسليمها المفاتيح ثم صادرت ما في المكتب من أجهزة كومبيوتر وملفات وقوائم حسابات ومفكرات شخصية وجوازات سفر الموظفين وزوجاتهم والوثائق الخاصة بهم الصادرة عن UNMIK واعتقال من فيه. وقد تم تعذيب العاملين قبل بدء التحقيق معهم بحضور مراقب من FBI. يضاف لذلك محاولات الإهانة أثناء النقل للمعتقل ومنها الأمر بخلع الملابس والتعرية والضرب العشوائي على أعضاء الجسم والتقييد بالسلاسل.

بعد ذلك يتم النقل إلى القاعدة الأمريكية في بوندستيل حيث يستمر التحقيق في ظروف لا إنسانية تجمع بين العزل الانفرادي وفريق التحقيق الثلاثي الذي شملت أسئلته مهمات المنظمة الخيرية ونشاطاتها "السرية" وصولا للاستفسار عن أسباب حج المسلمين لمكة. هذا المشهد الذي حدث في الكوسوفو، سيتكرر في باكستان والمغرب واليمن والأردن قبل أن يعم الدول التي أيدت بدون طرح أسئلة، ما سمي بالحرب على الإرهاب سيكون حربا على العمل الخيري بتعبيراته الإسلامية المختلفة وستكون النتائج كارثية على المجتمعات الإسلامية التي وجدت نفسها تحت رحمة وسياسة المنظمات الغربية الإنسانية.

بعد أن كانت أفغانستان سببا في انطلاقة عالمية صلبة للجمعيات الإنسانية الإسلامية، تحول هذا البلد إلى نقمة عبر تقديم "لجنة دعم الأفغان" كنصير لمنظمة "القاعدة" وجامع تبرعات لها. وبذلك تجمدت أرصدة وحسابات هذه اللجنة "لتجفيف منابع دعم الإرهاب". مكتبا جمعية إحياء التراث الإسلامي في باكستان وأفغانستان، اتهما أيضا بدعم الإرهاب، وكذلك كان حال "جمعية الرشيد الخيرية" التي كان لها دور هام في عون الكشميريين.

في عام 1993، توجهت إلى آزاد كشمير ضمن بعثة تحقيق دولية وقمنا بزيارة مخيمات اللاجئين هناك. لم نصادف منظمة إنسانية دولية واحدة، لم يكن في عين المكان لا أطباء بحدود أو بدون حدود. فالمنطقة نائية وبعيدة وخطرة، لا يوجد فيها فضائيات ولا دعاية، وبالتالي ليست موضوع Marketing إنساني. وهي بتعبير أصحاب الاستراتيجيات قضية خاسرة، فلم تضيع المنظمات الإنسانية وقتها هناك؟ في هذه النائيات كانت المنظمات الإنسانية الإسلامية تقوم بواجبها بصمت ودون ضجيج أو دعاية. فما هو الثمن الذي دفعته؟ لقد قرر الجنرال مشرف منع الجمعيات الإسلامية الأهم من النشاط، وعندما جاء زلزال باكستان، لم يجد عند المنظمات الغربية القدرة على تغطية حاجة المناطق المنكوبة.

بمراجعة وثائق الكونغرس الأمريكي، نجد الأسئلة تتركز في اجتماع 21/7/2003 على الندوة العالمية للشباب الإسلامي وهيئة الإغاثة الإسلامية العالمية. كذلك في نقاش جرى مع دبلوماسيين أوربيين في باريس بعد المؤتمر الثاني للمكتب الدولي الذي عقد في جنيف ، تم التوقف عند الندوة العالمية، عندما سألت لماذا، لم تخف سيدة كانت أقل دبلوماسية من الرجال خوفها "من أن تصل نشاطات هذه المجموعة الوهابية إلى أوربة وتؤثر على الشبيبة المهاجرة". فلم يكن لي، ولدي اثنان من الندوة أعضاء في المكتب الدولي، أن أطلب من السيدة الكريمة أن ننظم اجتماعا مشتركا معهما للتعرف على الندوة كما هي لا كما توصل أجهزة استخبارات مشبوهة، رفضت ذلك على الفور.

اتبعت سياسة تجفيف الموارد تجفيف موارد الجمعيات الإنسانية لا المنظمات المسلحة، فأزيلت صناديق وأكشاك جمع التبرعات لخمس جمعيات كبيرة مرخصة في الكويت، وقررت الحكومة المصرية رفع مشروع قانون لتوسيع الرقابة الحكومية على نشاطات المنظمات غير الحكومية والخيرية، وقد طالب الرئيس الأمريكي شخصيا بتجميد أصول وأرصدة جمعية "سنابل للإغاثة والتنمية" في لبنان وجمعية الإغاثة الفلسطينية ولجنة الإحسان والإغاثة في فرنسا والجمعية الفلسطينية في النمسا بحجة دعمها لحماس. وقد أحصينا مصادرات وتجميد للجمعيات الإنسانية والخيرية في ألمانيا وهولندا والدانمرك وإيطاليا وأستراليا والولايات المتحدة الأمريكية ناهيكم عن البلدان الإسلامية.

تسلم الأردن قرار الرئيس الأمريكي بتجميد أموال ثلاث مؤسسات مالية إسلامية هي (بنك الأقصى) و(مؤسسة الأراضي المقدسة) و(شركة بيت المال الفلسطيني).

كانت الملاحقات والمضايقات تشمل أحيانا مبادرات تتعلق بموائد الرحمن أو وجبات الإفطار، فقد تم إيقاف (الجمعية الخيرية الاجتماعية) بالرباط من العمل ببرنامج وجبات الإفطار التي تخصصها للمحتاجين. وقد حذرت مكاتب الأمم المتحدة مرارا من توقف عمل الجمعيات الإغاثية العربية (وعددها 51) العاملة مخيمات اللاجئين في بيشاور ومنطقتها. وقد سعت الإدارة الأمريكية لتغطية نشاطاتها العدوانية هذه بإعلانها بشكل مشترك مع مسئولين عرب أو مسلمين لتأخذ شكلا من المصداقية يغطي على بشاعة أوسع حرب على الجمعيات الإنسانية والخيرية في الأزمنة الحديثة. حيث يعتمد وزير الخزانة جون سنو على وجود المستشار عادل الجبير معه عندما يصنف عشر مؤسسات خيرية في قائمة الإرهاب: مؤسسة الأرض المقدسة (الولايات المتحدة)، فرعان لمؤسسة الحرمين (البوسنة والصومال)، مؤسسة الإاثة العالمية (الولايات المتحدة)، مؤسسة الرحمة العالمية (الولايات المتحدة)، مؤسسة الأقصى (ألمانيا وأوربة)، مؤسسة الإغاثة الفلسطينية (فرنسا)، انتربال (بريطانيا)، الجمعية الفلسطينية (النمسا)، جمعية سنابل للإغاثة والتنمية (لبنان)، وصندوق الأخطر (باكستان).

ويمكن تتبع حالات كثيرة في كتاب الدكتور محمد بن عبد الله السلومي "ضحايا بريئة للحرب العالمية على الإرهاب"(البيان-2005) كذلك دراستنا "صرخة قبل الاغتيال". .

هناك واقعتان أساسيتان أظهرتا الحجم الكارثي لهذه السياسة المتطرفة والحاقدة تجاه العمل الإنساني الإسلامي: الأولى السياسة الجديدة لمنظمات البلدان الشمالية، والثانية زلزال باكستان.

السياسات الجديدة لمنظمات الشمال
لم تنج المنظمات الغربية من نتائج الحرب على الإرهاب، فلم يمر عام على الحملة على المنظمات الإسلامية حتى تكون رأي عام يقول، بباطل أو بحق، أن منظمات الشمال لم تتضامن مع الجمعيات الإسلامية على العكس من ذلك وجدت في الهجوم عليها فرصة للانتشار والتوسع. الأمر الذي خلق شعورا بالشك والريبة من العمل الخيري الغربي المصادر.

كذلك، وبعد أن أدخلت الإدارة الأمريكية العمل الخيري الإسلامي في نطاق الحرب على الإرهاب بدأ الخطاب الإسلامي الراديكالي يعتبر المنظمات الإنسانية الغربية مروجا للهيمنة الغربية ونمط حياتها ووسائل انتشارها. وقد لاقى هذا الخطاب، في غياب الوقفة الجريئة والمبدئية لمعظم المنظمات الغربية من الحرب على العمل الإنساني الخيري تعاطفا شعبيا في العديد من المناطق. فاضطرت منظمة أطباء بلا حدود، للإنسحاب من العراق في ربيع 2003، وانسحبت من أفغانستان بعدها في صيف 2004 إثر اغتيال خمسة من أعضائها.

فإذا أضفنا لذلك أزمة المنظمة الدولية الحاملة لجائزة نوبل في فلسطين عام 2001، نجد أن أهم المنظمات الأوربية قد انسحبت من أماكن الصراع الأساسية فيما يعرف في خطاب الإدارة الأمريكية بالشرق الأوسط الكبير. وقد نظمت مؤسسة "أطباء بلا حدود" في 11/1/2006 ندوة في باريس حول العمل الإنساني تحت الاحتلال، واتفق معظم المتدخلين على ضرورة إعادة النظر في أسلوب العمل ومفهوم الحياد والقدرة على التواجد دون أن يكون هذا التواجد نوعا من التواطؤ مع المحتل

وقد جاء في مداخلة كسافييه كرومبيه الباحث في أطباء بلا حدود أن من الضروري إعادة طرح ثلاثة أسئلة:
الأول:
هو الأسس المقنعة للتدخل والتواجد في منطقة ما سواء من وجهة نظر المشروعية أو الفعالية والقدرة على التحرك الميداني.

الثاني:
المعنى الذي يأخذه العمل الإنساني من مسلكية القوى الموجودة ومختلف أشكال التفكير السياسي السائدة. مع ما يحمل الجواب من احتمال التعرض للخطر عند الفريق العامل والمحتاجين إليه بأن معا.

الثالث:
خصوصية الإشكاليات التي تطرح علينا اليوم، والتي تتطلب تأملات عميقة في مفهوم الاحتلال.

بانتظار ذلك، تحولت مناطق الاحتلال الأمريكي والإسرائيلي إلى أراض غير محبذة من معظم المنظمات الشمالية وبذلك يدفع السكان في ظل مناطق "الحرب على الإرهاب" ثمنا مضاعفا بضرب المنظمات الخيرية الإسلامية وانكفاء المنظمات الشمالية.

من جهة ثالثة، ورغم أن العديد من المنظمات الخيرية المسيحية قد واجهت سياسة قمعية للإدارات الأمريكية المتتابعة في أمريكا اللاتينية بسبب تعاطفها مع الأوساط الشعبية والفقيرة وكشفها ممارسات الأجهزة الأمريكية، إلا أن الوضع مختلف في العالم الإسلامي. فهي في أمريكا اللاتينية تسبح في وسط ديني وثقافي متفهم ومتفاعل وتمارس دورها الديني الإرشادي والخيري سواء بسواء دون أي حرج، في حين أنها في البلدان الإسلامية تواجه مشكلة رفض التبشير من حيث المبدأ وربط النشاط الخيري في ذهن الآخر بمحاولة إبعاده عن دينه وحضارته. الأمر الذي يتطلب إعادة رسم سياساتها ومد الجسور للمجتمعين الخيري والثقافي الإسلاميين للتمكن من التفاعل والتعاون معهما لا الاستفادة من الحرب عليهما لتحقيق مكاسب آنية.

الكارثة الباكستانية
لقد جاءت الكارثة الباكستانية المتجسدة في أقوى زلزال تعرفه البلاد اودى بحياة أكثر من 87 ألف شخص، لتكثف النتائج الكارثية للوضع الجديد المترتب على خيار الجنرال مشرف الرضوخ لسياسة الحرب العشوائية على الإرهاب التي تتبعها الإدارة الأمريكية فيما ضرب مقومات الدفاع الذاتي الإغاثي في المجتمع الباكستاني أولا بالتشديد والتضييق على الجمعيات الإغاثية الباكستانية، وثانيا من إغلاق ومصادرة العديد من مكاتب الجمعيات الإسلامية الدولية التي كانت تشكل العصب الأهم في العمل الإغاثي الدولي في البلاد.

وفي لحظة المأساة، وقف المجتمع الباكستاني يطرح الأسئلة:
أين هي الجمعيات الدولية الأخرى التي تشجع الحكومة تواجدها؟

أين هي الجمعيات التي تتلقى مساعدات كبيرة من السفارة الأمريكية وغيرها وليس لها أي تواصل مع المجتمع والناس والمشكلات الحقيقية التي تعاني منها باكستان؟

كيف تم تقييد وتحجيم وضرب البنى التحتية والقدرات المالية لآلاف الجمعيات الخيرية التي كانت تنتشر في القرى والمناطق النائية بتهمة مساعدة التطرف الإسلامي والإرهاب؟

ألم ترتكب الحكومة الباكستانية جريمة كبيرة بحق الفقراء والمعدمين عندما أغلقت 16 منظمة إغاثية إسلامية دولية معروفة بنشاطاتها الواسعة ومعرفتها الجيدة بالناس وتعاونها مع المعنيين مباشرة؟

لقد أوضحت المأساة الباكستانية نتائج سياسة استئصال الجمعيات الخيرية الإسلامية وملاحقتها وتقييد حركتها. مظهرة وبوضوح يختلط فيه الموت بالمرض والجوع، أن الاستسلام الأعمى لإدارة أمريكية متظرفة يحمل نتائج كارثية على المجتمع من الخلية الصغيرة إلى القرية وأحياء الصفيح. وأن ما يسمى ضمانات الأمن الأمريكي لا تعني فقط عشرات أو مئات آلاف الضحايا، بل الملايين من أبناء الدول الفقيرة غير المجهزة بوسائل الدفاع عن نفسها والتي وجدت في المنظمات غير الحكومية عونا كبيرا لتخفيف أوجاع الناس والتقليل من نوائب نظام عالمي جائر.
---------------------------
الدكتور هيثم مناع، رئيس المكتب الدولي للجمعيات الإنسانية والخيرية والمتحدث باسم اللجنة العربية لحقوق الإنسان، درس الطب والعلوم الاجتماعية وله قرابة 30 كتابا بالعربية والفرنسية والإنجليزية.

موضوع صادر عن :


المكتب الدولي للجمعيات الإنسانية و الخيرية
المكتب الدولي للجمعيات الإنسانية و الخيرية



جميع الحقوق © محفوظة للمؤسسات الصادر منها المواد المنشورة
مصرح بنشر اصداراتنا مع ذكر المصدر و الوصلة الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان 2003 - 2004
المواد المنشورة تعبر عن أراء كتابها ، مؤسسات أو أفراد ولا تعبر بالضرورة عن موقف الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان
مؤسسات حقوقية تغطيها الشبكة